جعفر آل ياسين
10
الفارابي في حدوده ورسومه
ومتمكن في الوقت ذاته من الإجابة على سؤاله الخطير : « ما هو الشيء الفاضل بذاته ؟ » - ذلك السؤال الذي قاده إلى استنباط أنّ المعرفة الصادقة تتصف ب ( القبلية ) أي أنّها متضمّنة في الذات ، ويستخرجها الإنسان العالم من نفس الإنسان الجاهل بطرائق الجدل التي أشرنا ؛ أعني بطرائق التعليم السقراطي . ومن الواضح أنّ هذه الصورة العامة التي حصلنا عليها ، سواء من المحاورات أو من أقوال اكسانوفان ، تمثّل بحدّ ذاتها النظرة التي قدمها لنا ارسطوطاليس عن التعريف السقراطي . وعلى الرغم من أنّ الطريقة السقراطية في التعريف لم تعد ذات نفع وجدوى في نظر المحدثين من المفكرين ، ينبغي علينا أن لا نبخس الرجل براعته وأصالته الفلسفيتين في هذا الميدان ، وتأثيراته الواضحة ، وسماته البيّنة على أفلاطون وارسطوطاليس واتجاهاتهما المعرفية . . أجل ؛ إنّ سقراط لم يتعامل مع نظرية الحدود - بدلالتها اليونانية - كما تعامل معها الخلف من بعده ، بل اكتفى بالسؤال عن ( ماهيّة ) الأشياء وغاياتها ، ولكن محاولته تلك فتحت ، أمام المفكرين المعاصرين له ، الباب على مصراعيه في الحديث عن المعرفة ووسائل الإدراك العقلي والحسّي وطبيعتهما . ورضي هو لنفسه بالتأكيد على ( فرضية التعريف ) التي شادها من حيث أنّها لا تمثّل سوى تحديد لصورة الشيء أو جوهره ، وليست هي كلمة تقال على طرف اللسان فحسب ، ولا تصوّرا خالصا في رأس الإنسان ؛ بل هي شيء موجود ومستقل في الكائن الحيّ العاقل . . لذا ينبغي رفض كلّ محاولة تهدف إلى البحث عن التمييز الميتافيزيقي أو المعرفي في نظرية التعريف السقراطية لأنّها نظرية لم يستو لها السبيل إلى تحقيق هذا التمييز . ولعلّ في النزعة العقلية الأخلاقية التي لمسناها في التعريف السقراطي - دون الاهتمام بالجانب التجريبي للمعرفة إلّا في حالات التطبيقات الاجتماعية - ما جعل الفيلسوف أكثر ميلا إلى البحث عن معاني الأشياء وحدودها ، وسيؤدي